المقدمة
في المغرب، لا تُعدّ السينما مجرد وسيلة للترفيه، بل تُشكل أداة قوية لتمثيل الواقع الاجتماعي والتفاوض معه وإعادة تخيّله. وكما يشير ريتشارد داير، فإن التمثيل هو العدسة التي ندرك من خلالها العالم. في سياق تُجرَّم فيه الكويرية، تصبح الأفلام إحدى المساحات النادرة التي يلتقي من خلالها الجمهور مع هذه التجارب ويفسرها، سواء بشكل مباشر أو من خلال الرموز والإيماءات والصمت.
يركّز هذا الأرشيف على الأفلام المغربية التي تقدم أشكالاً من الظهور الكويري، سواء من خلال شخصيات الكويرية، أو تمثيلات لذكورة غير معيارية، أو إيحاءات هوموأيروتيكية. لا يسعى هذا العمل إلى تحديد “كانون” للسينما الكويرية في المغرب، بل إلى توثيق لحظات الحضور الكويري داخل الأفلام السائدة والشعبية منذ الألفية الثانية وما بعدها، وهي لحظات توجد رغم القمع والرقابة.
المنهجية
انطلق نطاق هذا الأرشيف من جمع الأفلام المغربية السائدة، أي الأعمال التي حققت نجاحاً تجارياً أو نقدياً وحظيت بانتشار واسع، خاصة منذ بداية الألفية الثانية. ويعكس هذا الاختيار الحاجة الملحّة إلى تحليل تمثيلات الكويرية داخل المنتجات الثقافية الشعبية التي يستهلكها المجتمع نفسه الذي يجرّمها.
ونظراً إلى ندرة هذه التمثيلات، تم إدراج فيلم من أواخر تسعينيات القرن الماضي. جُمعت مواد الأرشيف بشكل أساسي اعتماداً على الذاكرة، إلى جانب توصيات من أصدقاء وزملاء وأشخاص مطّلعين على السينما المغربية.
وقد تم اعتماد المعايير التالية للاختيار:
- حضور شخصيات كويرية، أو شخصيات تتحدى المعايير الجندرية والمغايرة جنسياً السائدة في المغرب.
- استبعاد المشاهد التي تتضمن عنفاً جنسياً أو عنفاً قائماً على النوع الاجتماعي بين أشخاص من الجنس نفسه، نظراً إلى ما قد تكرّسه من صور نمطية ضارة، ولعدم إمكانية اعتبار العنف في حد ذاته شكلاً من أشكال التمثيل الكويري.
الملاحظات والحدود
- تظل تمثيلات النساء المثليات والأشخاص العابرين جندرياً محدودة بشكل ملحوظ مقارنة بتمثيلات الرجال المثليين وممارسات ارتداء ملابس مرتبطة تقليدياً بجنسٍ آخر.
- تطرح ممارسات ارتداء ملابس مرتبطة تقليدياً بجنسٍ آخر، المتجذرة في بعض أشكال الفلكلور المغربي وتقاليد الأداء، تحديات تأويلية؛ إذ إن قراءتها حصراً من منظور كويري معاصر قد تُسقط عليها تصنيفات لا تنبع بالضرورة من سياقاتها الثقافية والتاريخية المحلية، وهو ما قد يتعارض مع مقاربة ديكولونيالية لهذه الممارسات.
- تدور أغلب الأفلام في مدن كبرى مثل الدار البيضاء وطنجة والرباط، مما يؤدي إلى غياب السياقات القروية والمدن الصغرى إلى حد كبير عن المخيال السينمائي الكويري.
- نادراً ما تُمنح الشخصيات الكويرية رموزاً رومانسية أو عاطفية، مثل الموسيقى أو التأطير البصري الناعم. ومن بين الاستثناءات البارزة: Bye Bye Souirty، وLa Mer au loin، وLe Bleu du Caftan.
- غالباً ما يظهر الحضور الكويري من خلال وساطة شخصيات بيضاء أو امتيازات طبقية، كما في Casanegra والزين لي فيك، ويرتبط في كثير من الأحيان بالعمل الجنسي، أو بالغيرية، أو بأنماط الحياة النخبوية.
- تظل العديد من أشكال التعبير الجنسي والجندري غير المعيارية غير مصرّح بها، أو ضمنية، أو مفتوحة للتأويل، مما يتطلب من الجمهور «القراءة بين السطور».
في النهاية، تقرّ هذه المنهجية بوجود ثغرات ومناطق صمت داخل السينما المغربية. ويسعى هذا الأرشيف إلى تجنّب إعادة إنتاج الصور النمطية، وفي الوقت نفسه إلى توثيق المساحات النادرة ولكن المهمة التي يظهر فيها الحضور الكويري على الشاشة، مهما كان هذا الحضور جزئياً أو مشفّراً أو مشوّهاً.

